فى التاريخ لحظات فارقة، إما أن تختار الأمم فيها العبور إلى المستقبل، وإما أن تبقى أسيرة التردد حتى يبتلعها التيار. وفى روما القديمة، حين عبر يوليوس قيصر نهر الروبيكون، كان يدرك أنه اتخذ قرارًا لا رجعة فيه؛ فإما أن ينتصر وإما أن يهلك. ومنذ ذلك الحين، أصبح «عبور الروبيكون» تعبيرًا عن اللحظة التى تُحسم فيها الخيارات، ويصبح التراجع مستحيلاً.
واليوم، تقف مصر أمام لحظة لا تقل خطورة وحسمًا. لقد عبرنا نهرنا الرمزي، وقررنا أن نمضى فى طريق لا رجعة فيه؛ لأن الزمن لم يعد يسمح بالانتظار، ولأن مصائر الأوطان لا تحتمل التردد أو أنصاف الحلول.
حين تتخذ الشعوب قرارًا مصيريًا، يصبح التراجع خيانة لذاتها وإهدارًا لتضحياتها. ونحن فى مصر لم يعد لدينا ترف الاختيار بين طرق متعددة؛ فقد أصبح الطريق واحدًا وواضحًا: أن نعتمد على أنفسنا، ونبنى بأيدينا، ونصمد بوعينا، ونحمى مواردنا بكل ما نملك من قوة وإرادة.
لقد علمتنا التجارب المريرة أن الاتكال على الخارج سراب، وأن انتظار المنح والمعونات لا يصنع دولة قوية، بل قد يفتح أبواب الضغوط والإملاءات. وأدركنا أن الأوطان التى لا تنتج غذاءها، ولا تصنع احتياجاتها، ولا تحمى مواردها، تظل إرادتها معلقة فى أيدى الآخرين. لذلك فإن عبور الروبيكون المصرى يعنى ألا نلتفت إلى الخلف، وأن نمضى إلى الأمام مهما بلغت التحديات.
وأخطر هذه التحديات اليوم هو تحدى الأمن المائي؛ فالماء بالنسبة إلى مصر ليس ملفًا تفاوضيًا عابرًا، ولا بندًا فنيًا يمكن تأجيله، بل هو قضية وجود، تتصل مباشرة بحق أكثر من مائة مليون مصرى فى الحياة والتنمية والبقاء. ومن هنا جاءت تصريحات وزير الموارد المائية والري، الدكتور هانى سويلم، واضحة وحاسمة، حين أكد أن سد النهضة الإثيوبى «غير شرعى وسيبقى غير شرعي»، وأن مصر تحتفظ بكل الإجراءات والتدابير التى يكفلها القانون الدولى لحماية أمنها المائى وحقوق شعبها.
هذه التصريحات لا تمثل تصعيدًا لغويًا ولا محاولة للفت الأنظار، وإنما تعكس حقيقة قانونية وسياسية لا يجوز تجاهلها. فمصر لم تعترض يومًا على حق إثيوبيا، أو أى دولة أفريقية، فى التنمية وتوليد الكهرباء، لكنها ترفض أن تتحول التنمية إلى ستار للهيمنة، وأن تتحول مياه النيل من مورد طبيعى مشترك إلى أداة للتحكم السياسى والضغط الإستراتيجي.
لقد جرى إنشاء السد وملؤه وتشغيله بإرادة منفردة، دون اتفاق قانونى ملزم ينظم قواعد الملء والتشغيل، دون ضمانات حقيقية تحمى دولتى المصب من الأضرار، خصوصًا فى سنوات الجفاف والجفاف الممتد. وهنا يصبح السؤال مشروعًا: هل يُطلب من مصر أن تنتظر حتى يقرر طرف آخر متى تمر المياه ومتى تُحجز؟ وهل يمكن لدولة فى حجم مصر أن تترك مفتاح أمنها المائى فى يد دولة أخري؟
الإجابة لا تحتمل التردد: لن تنتظر مصر أن يمنحها أحد حقها، ولن تقبل أن يتحول نهر النيل إلى صنبور تتحكم فيه إرادة منفردة. فالمساس بالمياه مساس مباشر بالحياة، والزراعة، والغذاء، والصناعة، والاستقرار الاجتماعي، ومستقبل الأجيال القادمة. ولذلك فإن حماية الأمن المائى ليست مسئولية وزارة بعينها، وإنما مسئولية دولة وشعب، وجزء أصيل من معركة البقاء الوطني.
ومن هنا تتأكد أهمية الجبهة الداخلية. فأخطر ما يواجه الأوطان ليس العدو الخارجى وحده، بل تصدع الداخل، وانتشار الشائعات، وتحويل القضايا الوجودية إلى مادة للمزايدة أو التشكيك. الرهان الحقيقى هو على وعى المصريين، وصلابة وحدتهم، وقدرتهم على إدراك أن معركة المياه والتنمية والاقتصاد ليست ملفات منفصلة، بل جبهات متعددة لمعركة وطنية واحدة.
لقد عبرنا الروبيكون حين قررنا أن نزرع لنأكل، وأن نصنع لنستهلك، وأن نصدر لننافس، وأن نعيد استخدام كل قطرة مياه بأعلى كفاءة ممكنة. وعبرناه حين شرعنا فى إقامة محطات معالجة المياه، وتحديث نظم الري، والتوسع فى تحلية مياه البحر، وتنمية سيناء والدلتا الجديدة وتوشكي، والخروج من الوادى الضيق إلى آفاق عمرانية وزراعية جديدة.
وعبرناه أيضًا عندما تحركت الدولة لمضاعفة الرقعة المعمورة من نحو 7 ٪ إلى قرابة 14 ٪ من مساحة مصر، وهو تحول تاريخى يؤكد أن الإرادة، حين تتحول إلى تخطيط وعمل، تستطيع تغيير خريطة الوطن، لا الاكتفاء بإدارة أزماته.
لكن عبور الروبيكون لا يعنى تجاهل المصاعب أو التقليل من حجم التضحيات. فالتحديات جسام: أمن مائى مهدد، وضغوط اقتصادية عالمية، وحروب مشتعلة فى الإقليم، واضطراب فى طرق التجارة والطاقة، ومحاولات مستمرة لتطويق القرار المصري. إلا أن الفرص أيضًا كبيرة، ومن قلب الأزمات تولد أعظم النجاحات.
والعبور الحقيقى لا يتم بالشعارات، بل بجسر من العمل والعرق والانضباط والإنتاج. الروبيكون المصرى ليس نهرًا من الماء، بل نهر من التضحيات. ولن نعبره إلا بالوعي، ووحدة الصف، ومواجهة الفساد والإهمال، وتقديس قيمة العمل، والإيمان بأن لكل مواطن دورًا فى حماية هذا الوطن.
لقد عبرنا نهر الروبيكون، ولم يعد مسموحًا لنا أن نتراجع. إما أن نكمل الطريق بوعى وصبر وثبات، وإما أن نترك أنفسنا فريسة للضياع. والتاريخ لا يرحم المترددين، ولا يحفظ مكانًا للأمم التى تفرط فى حقوقها أو تنتظر أن يصنع الآخرون مستقبلها.
لقد اخترنا طريق النجاة؛ طريق الاعتماد على الذات، وحماية كل قطرة من مياه النيل، وتحصين الجبهة الداخلية، والالتفاف حول مشروع وطنى يليق بمصر وشعبها وتاريخها. هذه هى الحقيقة التى ينبغى أن نواجه بها أنفسنا والعالم: لم يعد لدينا ترف الخيارات، فلا بديل عن العبور، ولا تفريط فى الماء، ولا رجوع عن البناء، ولا بديل عن الانتصار.